كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)}.
قوله: {أَن تَخْشَعَ}: فاعلُ {يَأْنِ}، أي: ألم يَقْرُبْ خشوعُ قلوبِهم. واللامُ قال أبو البقاء: للتبيين. فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ، أي: أَعْني الذينَ، ولا حاجةَ إليه. والعامة: {أَلَمْ}. والحسن وأبو السَّمَّال {ألَمَّا} وقد عَرَفْتَ الفرقَ بين الحرفين ممَّا تقدَّم. والعامَّةُ أيضًا {يَأْنِ} مضارعَ أنَى، أي: حان وقَرُبَ مثل: رمى يَرْمي. والحسن {يَئِنْ} مضارع آن بمعنى حانَ أيضًا مثل: باع يبيع.
قوله: {وَمَا نَزَلَ} قرأ نافع وحفص {نَزَل} مخففًا مبنيًا للفاعلِ. وباقي السبعةِ كذلك إلاَّ أنه مشدَّدٌ. والجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمروٍ في روايةٍ {نُزِّلَ} مشدَّدًا مبنيًا للمفعولِ. وعبد الله {أَنْزَل} مبنيًا للفاعلِ هو الله تعالى. و(ما) في {ما نَزَلَ} مخففًا يتعيَّنُ أَنْ تكونَ اسميةً. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً؛ لئلا يَخْلو الفعلُ من الفاعل، وما عداها يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي. فإن قلتَ: وقراءة الجحدريِّ ومَنْ معه ينبغي أَنْ تكونَ فيها اسميةً، لئلا يخلوَ الفعلُ مِنْ مرفوعٍ. فالجواب: أنَّ الجارَّ وهو قوله: {من الحق} يقوم مَقامَ الفاعل.
والعامَّةُ على الغيبة في {ولا يَكونوا} جَرْيًا على ما تقدَّم. وأبو حيوة وابنُ أبي عبلة بالتاء مِنْ فوقُ على سبيل الالتفات. ثم هذا يُحْتمل أَنْ يكونَ منصوبًا عطفًا على {تَخْشَعَ} كما في قراءة الغَيْبة وأَنْ يكونَ نهيًا، فتكونَ {لا} ناهيةً والفعلُ مجزومٌ بها. ويجوزُ أَنْ يكونَ نهيًا في قراءة الغَيْبة أيضًا، ويكونُ ذلك انتقالا إلى نهيِ أولئك المؤمنين عن كونِهم مُشْبِهين لمَنْ تَقَدَّمهم نحو: لا يَقُمْ زيدٌ.
قوله: {الأمد} العامَّةُ على تخفيف الدال بمعنى العامَّة كقولك: أَمَدُ فلانٍ، أي: غايتُه. وابن كثير في روايةٍ بتشديدِها وهو الزمنُ الطويلُ.
{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)}.
قوله: {المصدقين والمصدقات}: خَفَّفَ الصاد منها ابنُ كثير وأبو بكر، وثَقَّلها باقي السبعة. فقراءة ابنِ كثيرٍ من التصديق، أي: صَدَّقوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به كقوله تعالى: {والذي جَاءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر: 33]، وقراءة الباقين من الصدقة وهو مناسِبٌ لقوله: {وأَقْرَضوا} والأصل: المُتَصَدِّقين والمتُصدِّقات فَأَدْغَمَ، وبها قرأ أُبَيٌ. وقد يُرَجَّحُ الأولُ. بأنَّ الإقراض مُغْنٍ عن ذِكْرِ الصدقة.
قوله: {وَأَقْرَضُواْ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على اسم الفاعلِ في {المُصَّدِّقين} لأنَّه لمَّا وقع صلةً لأل حَلَّ مَحَلَّ الفعلِ، فكَأنَّه قيل: إن الذين صَدَّقوا وأَقْرضوا، وعليه جمهورُ المُعربين. وإليه ذهب الفارِسيُّ والزمخشري وأبو البقاء. وهو فاسدٌ لأنه يَلْزَمُ الفصلُ بين أَبْعاضِ الصلة بأجنبي. ألا ترى أنَّ {المُصَّدِّقات} عطفٌ على {المصَّدِّقين} قبل تمام الصلةِ، ولا يجوز أن يكونَ عطفًا على المُصَّدِّقاتِ لتغايُرِ الضمائرِ تذكيرًا وتأنيثًا.
الثاني: أنه معترضٌ بين اسم (أن) وخبرها وهو {يُضاعَفُ}. قال أبو البقاء: وإنما قيل ذلك لئلاَّ يُعْطفَ الماضي على اسم الفاعل. ولا أَدْري ما هذا المانعُ؟ لأنَّ اسمَ الفاعلِ متى وقع صلةً لأل صَلَحَ للأزمنةِ الثلاثة، ولو مَنَع بما ذكَرْتُه من الفصلِ بالأجنبي لأصابَ، ولكن خَفي عليه كما خَفي على مَنْ هو أكبرُ منه: الفارسيُّ والزمخشريُّ.
الثالث: أنه صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ لدلالةِ الأول عليه كأنه قيل: والذين أَقْرضوا كقوله:
أَمَنْ يَهْجُو رسولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ** ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَواءُ

أي: ومَنْ ينصُرُه واختاره الشيخ: وهذا قد عَرَفْتَ ما فيه في أوائلِ هذا التصنيفِ.
قوله: {يُضَاعَفُ لَهُمْ} القائم مقامَ الفاعلِ فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهرُ أنَّه الجارُّ بعده. والثاني: أنَّه ضميرُ التصديقِ، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: ثوابُ التصديق.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)}.
قوله: {والذين آمَنُوا}: مبتدأ و{أولئك} مبتدأ ثان و{هم} يجوز أَنْ يكونَ مبتدأ ثالثًا و{الصِّدِّيقون} خبرُه، وهو مع خبرِه خبرُ الثاني، والثاني وخبرُهُ خبرُ الأول. ويجوزُ أَنْ يكون {هم} فصلًا فأولئك وخبرُه خبرُ الأول.
قوله: {والشهداء} يجوز فيه وجهان: أنه معطوفٌ على ما قبلَه، ويكون الوقفُ على {الشهداء} تامًا. أخبر عن الذين آمنوا أنهم صِدِّيقون شهداءُ. فإنْ قيل: الشهداءُ مخصوصون بأوصافٍ أُخَرَ زائدةٍ على ذلك كالسبعَةِ المذكورين. أجيب: بأنَّ تَخْصِيصَهم بالذِّكْر لشَرَفِهم على غيرِهم لا للحَصْر.
والثاني: أنه مبتدأٌ، وفي خبرِه وجهان، أحدهما: أنه الظرفُ بعده. والثاني: أنه قوله: {لهم أَجْرهُم} إمَّا الجملةُ، وإمَّا الجارُّ وحدَه، والمرفوع فاعلٌ به. والوقفُ لا يَخْفَى على ما ذكَرْتُه من الإِعراب.
والصِّدِّيقُ: مثالُ مبالغةٍ، ولا يجيءُ إلاَّ من ثلاثيٍ غالبًا. قال بعضُهم: وقد جاء (مِسِّيك) مِنْ أمَسْك. وهو غَلَطٌ لأنه يقال: مَسَك ثلاثيًا فمِسِّيك منه.
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)}.
قوله: {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ}: العامَّةُ على تنوين {تَفاخُرٌ} موصوفٌ بالظرفِ أو عاملٌ فيه، والسُّلميُّ أضافه إليه.
قوله: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} يجوزُ أنَّ يكونَ في موضعِ نصبٍ حالًا من الضمير في {لَعِبٌ} لأنه بمعنى الوصفِ، وأَنْ يكونَ خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: ذلك كمثَل. وجَوَّزَ ابن عطية أَنْ يكونَ في موضعِ رفع صفةً لِما تقدَّم. ولم يُبَيِّنْه مكي فقال: نعت لـ: {تَفاخُر}. وفيه نظرٌ لتخصيصه له مِنْ بين ما تقدَّم. وجَوَّزَ أَنْ يكون خبرًا بعد خبر للحياة الدنيا.
وقرئ: {مُصْفارًَّا} مِنْ اصفارَّ وهي أبلغُ مِنْ اصْفَرَّ.
قوله: {وَفِي الآخرة} خبرٌ مقدمٌ وما بعده مبتدأ. أخبر أنَّ في الآخرةِ عذابًا شديدًا، ومغفرةً منه ورضوانًا، وهذا معنىً حسنٌ، وهو أنه قابل العذابَ بشيئين: بالمغفرة والرضوان فهو من باب «لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَين».
{سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)}.
قوله: {عَرْضُهَا كَعَرْضِ}: مبتدأٌ وخبرٌ. والجملةُ صفةٌ لجنة وكذلك «أُعِدَّتْ». ويجوزُ أَنْ يكونَ «أَعِدَّتْ» مستأنفةٌ.
{مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)}.
قوله: {مِن مُّصِيبَةٍ}: فاعلُ (أصاب). و(مِنْ) مزيدةٌ لوجودِ الشرطين. وذَكَّر فعلَها لأنَّ التأنيث مجازيُّ.
قوله: {فِي الأرض} يجوزُ أَنْ يتعلَّق ب أصاب، وأَنْ يتَعلَّقَ بنفسِ {مصيبةٍ}، وأَنْ يتَعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لمصيبة وعلى هذا فيَصْلُح أَنْ يُحْكَمَ على موضِعه بالجرِّ نظرًا إلى لفظِ موصوفِه وبالرفعِ نظرًا إلى مَحَلِّه، إذ هو فاعلٌ. والمُصيبة غَلَبَتْ في الشر. وقيل: المرادُ بها جميعُ الحوادثِ مِنْ خيرٍ وشرٍ، وعلى الأول يُقال: لِمَ ذُكِرَتْ دون الخير؟ وأجيب: بأنه إنَّما خَصَّصها بالذِّكْرِ لأنها أهمُّ على البشر.
قوله: {إِلاَّ فِي كِتَابٍ} حال مِنْ {مصيبة}، وجاز ذلك وإنْ كانت نكرةً لتخصُّصِها: إمَّا بالعملِ أو بالصفةِ، أي: إلاَّ مكتوبةً.
قوله: {مِّن قَبْلِ} نعتٌ لـ: كتاب، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ به قاله أبو البقاء؛ لأنه هنا اسمٌ للمكتوبِ، وليس بمصدرٍ. والضمير في {نَبْرَأَها} الظاهرُ عَوْدُه على المصيبة. وقيل: على الأنفس. وقيل: على الأرض أو على جميع ذلك، قاله المهدويُّ، وهو حسنٌ.
{لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)}.
قوله: {لِّكَيْلاَ}: هذه اللامُ متعلقةٌ بقوله: {ما أصابَ}، أي: أَخبْرَناكم بذلك لكيلاَ يَحْصُلَ لكم الحزنُ المُقْنِط أو الفرحُ المُطْغي، فأمَّا دون ذلك فالإِنسانُ غيرُ مؤاخذٍ به. و(كي) هنا ناصبةٌ بنفسِها فهي مصدريةٌ فقط لدخولِ لام الجرِّ عليها، وقرأ أبو عمرو {بما أتاكم} مقصورًا من الإِتْيان، أي: بما جاءكم. وباقي السبعة {آتاكم} ممدودًا من الإِيتاء أي: بما أعطاكم اللَّهُ إي اهـ. وقرأ عبد الله {أُوْتيتم}.
{الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)}.
قوله: {الذين يَبْخَلُونَ}: قد تقدَّم مثلُ هذا في سورة النساء، وتكلمتُ عليه بما يَكْفي، فلا معنى لإِعادته.
قوله: {فَإِنَّ الله هُوَ الغني} قرأ نافع وابن عامر {فإن الله الغنيُّ} بإسقاطِ {هو} وهو ساقطٌ في مصاحف المدينةِ والشام. والباقون بإثباتِه وهو ثابتٌ في مصاحفِهم، فقد وافق كلٌّ مصحَفه. قال أبو علي: مَنْ أثبت {هو} يَحْسُنْ أَنْ يكونَ فصلًا، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ ابتداءً؛ لأنَّ الابتداءَ لا يَسُوغ حَذْفُه. يعني أنه تُرَجَّحُ فصليَّتُه بحذفه في القراءة الأخرى، إذ لو كان مبتدًا لضَعُف حَذْفُه، لا سيما إذا صَلَحَ ما بعده أَنْ يكونَ خبرًا لِما قبله، ألا تراك لو قلت: (إنَّ زيدًا هو القائمُ) لم يَحْسُنْ حَذْفُ (هو) لصلاحيةِ (القائمُ) خبرًا لـ: (أن): وهذا كما قالوا في الصلة: إنه يُحْذَفُ العائدُ المرفوعُ بالابتداء بشروطٍ منها: أن لا يكونَ ما بعدَه صالحًا للصلة نحو: (جاء الذي هو في الدار) أو (هو قائم أبوه) لعدمِ الدلالةِ. إلاَّ أنَّ للمنازعِ أن ينازعَ أبا عليٍ ويقول: لا ألتزم تركيب إحدى القراءتين على الأخرى، وكم مِنْ قراءتَيْنِ تغاير معناهما كقراءتَيْ: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36] و{وضَعَتْ}، إلاَّ أنَّ توافُقَ القراءتَيْن في معنىً واحدٍ أَوْلى، هذا ما لا نزاعَ فيه.
{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)}.
قوله: {فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ}: جملةٌ حاليةٌ من {الحديد}.
قوله: {مَّعَهُمُ} حالٌ مقدرة، أي: صائرًا معهم، وإنَّما احتَجْنا إلى ذلك لأنَّ الرسلَ لم يُنْزَلوا، ومقتضى الكلامِ أن يَصْحبوا الكتابَ في النزولِ. وأمَّا الزمخشريُّ فإنه فَسَّرَ الرسلَ بالملائكةِ الذين يَجيئون بالوحيِ إلى الأنبياءِ فالمعيَّةُ متحققةٌ.
قوله: {وَلِيَعْلَمَ} عطفٌ على قوله: {ليقومَ الناسُ}، أي: لقد أَرْسَلْنَا رُسُلَنا وفَعَلْنا كيتَ وكيتَ ليقومَ الناسُ وليعلَمَ اللَّهُ. وقال الشيخ: علةٌ لإِنزالِ الكتابِ والميزانِ والحديدِ. والأول أظهرُ لأنَّ نصرةَ اللَّهِ ورسلِه مناسبة للإِرسال.
قوله: {وَرُسُلَهُ} عطفٌ على مفعولِ {يَنْصُرُه}، أي: وينصُرُ رسُلَه. قال أبو البقاء: ولا يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفًا على {مَنْ} لئلا يُفْصَلَ به بين الجارِّ وهو {بالغَيْب} وبينَ ما يتعلَّق به وهو {يَنْصُرُ}. قلت: وجَعْلُه العلةَ ما ذكرَه مِنْ الفصلِ بين الجارِّ وما يتعلَّق به مَنْ يُوْهِمُ أَنَّ معناه صحيحٌ لولا هذا المانعُ، وليسَ كذلك إذ يصيرُ التقديرُ: وليعلمَ اللَّهُ مَنْ ينصرُه بالغيبِ. ولِيَعْلَمَ رَسُلَه. وهذا معنىً لا يَصِحُّ البتة فلا حاجةَ إلى ذِكْرِ ذلك. و{بالغيب} حالٌ وقد تقدم مثلُه أولَ البقرة.
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)}.
قوله: {فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ}: الضميرُ يجوزُ عَوْدُه على الذُّرِّيَّة، وهو أَوْلَى لتقدُّم ذِكْرِه لفظًا. وقيل: يعودُ على المُرْسَل إليهم لدلالة {أَرْسَلْنا} والمرسلين عليهم.
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)}.
قوله: {الإنجيل}: قد تقدَّم أنَّ الحسنَ قرأه بفتح الهمزة في أول آل عمران. قال الزمخشري: أَمْرُه أهونُ مِنْ أَمْرِ البِرْطيل والسِّكِّين فيمن رَواهما بفتح الفاء لأنَّ الكلمةَ أعجمية لا يلزَمُ فيها حِفْظُ أبنية العرب. وقال أبو الفتح: هو مثالٌ لا نظيرَ له.
قوله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها} في انتصابِها وجهان، أحدهما: أنها معطوفةٌ على {رأْفَةً ورحمةً}. و{جَعَلَ} إمَّا بمعنى خَلق أو بمعنى صيَّر، و{ابْتدعوها} على هذا صفةٌ لـ: {رَهْبانية} وإنما خُصَّتْ بذِكر الابتداعِ لأنَّ الرأَفةَ والرحمةَ في القلب أمرُ غريزةٍ لا تَكَسُّبَ للإِنسانِ فيها بخلافِ الرهبانية فإنها أفعالُ البدن، وللإِنسانِ فيها تكسُّبٌ. إلاَّ أنَّ أبا البقاء منعَ هذا الوجهَ بأنَّ ما جعله اللَّهُ لا يَبْتدعونه. وجوابُه ما تَقَدَّم: مِنْ أنَّه لَمَّا كانت مكتسبةً صَحَّ ذلك فيها. وقال أيضًا: وقيل: هو معطوفٌ عليها، وابتدعوها نعتٌ له. والمعنى: فَرَضَ عليهم لزومَ رهبانيةٍ ابتدعوها، ولهذا قال: {مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغاء رِضْوَانِ الله}.
والوجه الثاني: أنه منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره الظاهرُ وتكون المسألةُ من الاشتغالِ. وإليه نحا الفارسيُّ والزمخشريُّ وأبو البقاء وجماعةٌ إلاَّ أنَّ هذا يقولون إنه إعرابُ المعتزلة؛ وذلك أنَّهم يقولون: ما كانَ مِنْ فِعْلِ الإِنسانِ فهو مخلوقٌ له، فالرحمةُ والرأفة لَمَّا كانتْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى نَسَبَ خَلْقَهما إليه. والرَّهْبانِيَّة لَمَّا لم تكنْ من فِعْلِ اللَّهِ تعالى بل مِنْ فعل العبدِ يَسْتَقِلُّ بفعلِها نَسَب ابتداعَها إليه، وللردِّ عليهم موضعٌ آخرُ هو أليقُ به من هذا الموضعِ، وسأبِّينُه إنْ شاء الله في (الأحكام).
ورَدَّ الشيخُ عليهم هذا الإِعرابَ من حيث الصناعةُ وذلك أنَّه مِنْ حَقِّ اسمِ المُشْتَغَلِ عنه أن يَصْلُح للرفع بالابتداءِ و{رهبانيةً} نكرةٌ لا مُسَوِّغ للابتداء بها، فلا يصلُحُ نصبُها على الاشتغال. وفيه نظرٌ؛ لأنَّا لا نُسَلِّمُ أولًا اشتراطَ ذلك، ويَدُلُّ عليه قراءة مَنْ قرأ {سورةً أنزَلْناها} بالنصب على الاشتغالِ كما قَدَّمْتُ تحقيقه في موضعه. ولئِنْ سَلَّمْنا ذلك فثَمَّ مُسَوِّغٌ وهو العطفُ. ومِنْ ذلك قوله:
عندي اصْطِبارٌ وشكْوى عند قاتلتي ** فهل بأعجبَ مِنْ هذا امرؤٌ سَمِعا

وقوله:
تَعَشَّى ونجمٌ قد أضاء فَمُذْ بدا ** مُحَيَّاكَ أَخْفَى ضوْءُه كلَّ شارقِ

ذكر ذلك الشيخُ جمال الدين بن مالك. وقرأ الحسن {رَآفة} بزنة فَعالة. والرَّهْبانيةُ منسوبةٌ إلى الرَهْبان فهو فَعْلان مِنْ رَهِب كقولهم: (الخَشْيان) مِنْ خَشِي. وقد تقدَّم معنى هذه المادةِ في المائدة مستوفى وقرئ بضمِّ الراء. قال الزمخشري: كأنَّها نِسْبةُ إلى الرُّهْبان وهو جمعُ راهبٍ كراكبِ ورُكْبان.
قال الشيخ: والأَوْلَى أََنْ يكونَ منسوبًا إلى رَهْبان يعني بالفتح وغُيِّر؛ لأنَّ النسبَ بابُ تغيير، ولو كان منسوبًا لرُهبان الجمع لرُدَّ إلى مفردِه، إلاَّ إنْ كان قد صار كالعَلَم فإنه يُنْسَبُ إليه كالأَنْصار.
قوله: {مَا كَتَبْنَاهَا} صفةٌ لـ: {رَهْبانيةً}، ويجوزُ أَنْ يكونَ استئناف إخبارٍ بذلك.
قوله: {إِلاَّ ابتغاء رِضْوَانِ الله} فيه أوجه، أحدها: أنه استثناء متصلٌ ممَّا هو مفعولٌ من أجلِه. والمعنى: ما كَتَبْناها عليهم لشيءٍ من الأشياءِ إلاَّ لابتغاءِ مَرْضاتِ اللَّهِ، ويكون (كتب) بمعنى قضى، فصار: كَتَبْناها عليهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وهذا قول مجاهد. والثاني: أنه منقطعٌ. قال الزمخشري: ولم يذكُرْ غيرَه، أي: ولكنهم ابْتَدعوها. وإلى هذا ذهبَ قتادةُ وجماعةٌ، قالوا: معناه لم يَفْرِضْها عليهم ولكنهم ابتدعوها. الثالث: أنه بدلٌ من الضميرِ المنصوبِ في {كَتَبْنَاها} قاله مكيُّ وهو مُشْكِلٌ: كيف يكونُ بدلًا، وليس هو الأولَ ولا بعضَه ولا مشتملًا عليه؟ وقد يُقال: إنه بدلُ اشتمالٍ، لأن الرهبانيةَ الخالصةَ المَرْعِيَّةَ حَقَّ الرِّعاية قد يكون فيها ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، ويصير نظيرَ قولك (الجاريةُ ما أحببتها إلاَّ أدبَها) فإلاَّ أدبَها بدلٌ من الضمير في (أَحْبَبْتُها) بدلُ اشتمالٍ، وهذا نهايةُ التمحُّلِ لصحةِ هذا القول واللَّهُ أعلمُ.
والضميرُ المرفوعُ في {رَعَوْها} عائدٌ على مَنْ تَقَدَّمَ. والمعنى: أنهم لم يَدُوموا كلُّهم على رعايتها، وإنْ كان وُجِدَ هذا في بعضِهم. وقيل: يعودُ على الملوكِ الذين حاربوهم. وقيل: على أحلافِهِم. و{حَقَّ} نصبٌ على المصدر.
{لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)}.
قوله: {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ}: هذه اللامُ متعلقةٌ بمعنى الجملة الطلبية المتضمنةِ لمعنى الشرطِ، إذ التقدير: إنْ تتقوا اللَّهَ وآمنتم برسلِه يُؤْتِكم كذا وكذا، لئلا يعلمَ. وفي (لا) هذه وجهان، أحدهما: وهو المشهورُ عند النحاةِ والمفسِّرين والمُعْرِبين أنها مزيدةٌ كهي في {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} [الأعراف: 12]، و{أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [يس: 31] على خِلافٍ في هاتين الآيتين. والتقدير: أَعْلَمَكم اللَّهُ بذلك، ليعلمَ أهلُ الكتابِ عدمَ قدرتِهم على شيءٍ مِنْ فضلِ اللَّهِ وثبوتَ أنَّ الفَضْل بيدِ الله، وهذا واضح بَيَّنٌ، وليس فيه إلاَّ زيادةُ ما ثبتَتْ زيادتُه شائِعًا ذائعًا.
والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ. والمعنى لئلا يعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَ المؤمنين، نقل ذلك أبو البقاء وهذا لفظُهُ، وكان قد قال قبلَ ذلك: (لا) زائدة والمعنى: ليعلمَ أهلُ الكتابِ عَجْزَهم. وهذا غيرُ مستقيم؛ لأنَّ المؤمنين عاجزون أيضًا عن شيءٍ مِنْ فضل اللَّهِ وكيف يعملُ هذا القائلُ بقوله: {وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله}؛ فإنه معطوفٌ على مفعولِ العِلْمِ المنفيِّ فيصيرُ التقدير: ولئلا يعلمَ أهلُ الكتاب أنَّ الفضلَ بيد الله؟ هذا لا يستقيمُ نَفْيُ العِلْمِ به البتة، فلا جرم كان قولا مُطَّرحًا ذكَرْتُه تنبيهًا على فسادِه.
وقراءة العامة: {لئلا} بكسر لام كي وبعدها همزةٌ مفتوحةٌ مخففةٌ. وورش يُبْدِلها ياءً مَحْضَة وهو تخفيفٌ قياسيٌّ نحو: مِيَة وفِيَة، في: مئة وفئة. ويدلُّ على زيادتِها قراءة عبد الله وابن عباس وعكرمةَ والجحدري وعبد الله بن سلمة {لِيَعْلَم} بإسقاطِها، وقراءة حطان ابن عبد الله {لأَنْ يعلمَ} بإظهار (أن). والجحدري أيضًا والحسن {لِيَنَّعَلَمَ} وأصلُها كالتي قبلها لأَنْ يعلم، فأبدل الهمزةَ ياءً لانفتاحِها بعد كسرة، وقد تقدم أنه قياسٌ كقراءة ورش {لِيَلاَّ} ثم أَدْغَمَ النون في الياء. قال الشيخ: بغير غُنَّة كقراءة خلف {أَن يَضْرِبَ} [البقرة: 26] بغيرِ غُنَّة. انتهى. فصار اللفظ لِيَنَّعْلَمَ. وقوله: بغير غنَّة. ليس عَدَمُ الغنَّةِ شرطًا في صحة هذه المسألةِ، بل جاء على سبيل الاتفاقِ ولو أَدْغَمَ بُغنَّةٍ لجاز ذلك فسقوطُها في هذه القراءاتِ يؤيِّد زيادتها في المشهورةِ.
وقرأ الحسن أيضًا فيما رَوَى عنه أبو بكر ابن مجاهد {لَيْلًا يَعْلَمَ} بلام مفتوحةٍ وياءٍ ساكنةٍ كاسم المرأة ورفعِ الفعلِ بعدها. وتخريجُها: على أنَّ أصلَها: لأَنْ لا، على أنها لامُ الجرِّ ولكنْ فُتِحَتْ على لغةٍ معروفة، وأنشدوا:
أُريدُ لأَنْسَى ذِكْرَها

بفتح اللام، وحُذِفَت الهمزةُ اعتباطًا، وأُدْغمت النونُ في اللام فاجتمع ثلاثة أمثالٍ فثَقُلَ النطقُ به فأبدلَ الوسطَ ياءً تخفيفًا، فصار اللفظُ {لَيْلا} كما ترى ورُفِع الفعل؛ لأنَّ (أن) هي المخففةُ لا الناصبةُ، واسمُها على ما تقرَّر ضميرُ الشأنِ، وفُصِل بينها وبين الفعلِ الذي هو خبرُها بحرفِ النفي.
وقرأ الحسن أيضًا فيما روى عنه قطرب {لِيْلا} بلام مكسورة وياءٍ ساكنةٍ ورفع الفعل، وهي كالتي قبلها في التخريج. غايةُ ما في الباب أنه جاء بلامٍ مكسورةٍ كما في اللغة الشهيرة. ورُوي عن ابن عباس {لكي يعلَمَ}، و{كي يعلم} وعن عبد الله {لكيلا} وهذه كلُّها مخالِفةٌ للسوادِ الأعظمِ ولسوادِ المصحف.
وقرأ العامَّةُ {أَنْ لا يَقْدِرُون} بثوبت النون على أنَّ (أن) هي المخففة وعبد الله بحَذْفِها على أَنَّ (أن) هي الناصبة وهذا شاذٌّ جدًا؛ لأنَّ العِلْمَ لا تقع بعده الناصبةُ.
وقوله: {يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} الظاهرُ أنه مستأنف. وقيل: هو خبرٌ ثانٍ عن الفضل. وقيل: هو الخبرُ وحدَه، والجارُّ قبله حالٌ وهي حالٌ لازِمةٌ؛ لأنَّ كونَه بيدِ الله تعالى لا ينتقِلُ البتة. اهـ.